القاضي عبد الجبار الهمذاني
314
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فيما بيناه ، من حال القرآن ؛ ولهذه الجملة قلنا : إنه لا يجب القطع على أنه لا كلام أزيد في قدر الفصاحة من القرآن ؛ لأن ذلك وإن كان مجوّزا فحال القرآن ، في دلالته لا يتغير ، وإن كان لا يمتنع في بعض القرآن أن نعلم أنه قد بلغ النهاية ، لأنه إذا صار معناه في جنسه ، وشرف موقعه إلى حد لا مزيد عليه ، وصار اللفظ شريفا مطابقا للمعنى ، في أن لا مزيد عليه ، فلا بد من أن يكون قد بلغ النهاية ، لأنه ، وإن كان ما ادعاه مما زاد على العادة ، قد يتفاوت في مراتبه ، فلا بد من أن ينتهى إلى حد لا مزيد عليه ؟ . . وقد بينا : أن العرب كانت عارفة بما يباين المعتاد من الفصيح ، للتجربة والعادة ؛ فلم تكن عند سماع القرآن ، والوقوف على مزيته محتاجة إلى تجربة مجددة ؛ وعلمت خروجه عن العادة ، ومن قصر حاله عن حالهم فكمثل ، لأنه إذا عرف بالتجربة تعذر مثل كلامهم عليه ؛ فبأن يتعذر عليهم أولى ؛ وإن كان لا يمتنع أن يكون في العرب من ظن في الوقت أن مثل القرآن يؤاتيه إن رامه ؛ ثم تبين تعذره ، وإن كان ذلك يبعد من أهل التقدم في الفصاحة ، كما يبعد ممن جرب مقادير ما يمكنه أن يفعله ، أن يلتبس عليه حال الأمور العظيمة ؛ وقد أورد بعض شيوخنا ، عند جحد بعض « اليهود » أن للقرآن مزية ، بعض ما ذكرناه ، من حال العرب ثم تلا عليه قوله : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ؛ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ؛ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى وبين بذلك أن من لا آفة بسمعه ؛ وله حظ من المعرفة بالفصاحة ، يعرف لهذه الآيات مزية ؛ وبعضهم تلا قوله تعالى : يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ، وَغِيضَ الْماءُ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ، وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وإذا تأمل السامع لقوله تعالى : وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ، وَماءٍ مَسْكُوبٍ ، وَفاكِهَةٍ